فخر الدين الرازي

14

تفسير الرازي

الآية على ما يعتقدونه ، وإن كان الخير كله فتنة ، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل . السؤال الثاني : إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله : * ( انقلب على وجهه ) * وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد ؟ والجواب : المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب في الحقيقة . السؤال الثالث : قال مقاتل : الخير هو ضد الشر فلما قال : * ( فإن أصابه خير اطمأن به ) * كان يجب أن يقول : وإن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب : لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح . أما قوله تعالى : * ( خسر الدنيا والآخرة ) * فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ودمه مصوناً ، وأما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب الدائم * ( وذلك هو الخسران المبين ) * . أما قوله : * ( يدعو من الله مالا يضره وما لا ينفعه ) * فالأقرب أنه المشرك الذي يعبد الأوثان وهذا كالدلالة على أن الآية لم ترد في اليهودي لأنه ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام ، والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه النفاق وبين تعالى أن : * ( ذلك هو الضلال البعيد ) * ، وأراد به عظم ضلالهم وكفرهم ، ويحتمل أن يعني بذلك بعد ضلالهم عن الصواب لأن جميعه وإن كان يشترك في أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض ، واستعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالاً وطالت وبعدت مسافة ضلاله . أما قوله تعالى : * ( يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : اختلفوا في تفسيره على وجهين : أحدهما : أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا ، وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم ، وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً ، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض . القول الثاني : أن المراد الوثن وأجابوا عن التناقض بأمور : أحدها : أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها ، كقوله تعالى : * ( رب إنهن أضللن كثيراً من الناس ) * ( إبراهيم : 36 ) فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سبباً للضلال ، فكذا ههنا نفي الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر . وثانيها : كأنه سبحانه وتعالى بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع ، ثم قال في الآية الثانية : لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من نفعها . وثالثها : كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع ولا ضرر في الدنيا ، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها ، فكأنهم يقولون لها في الآخرة : إن ضرركم أعظم من نفعكم .